الصفحة الرئيسية > حقيقة الحج > حج رسول الله > خطبة حجة الوداع
دروس من حج الرسول

هناك دروس هامة في الأسلوب الذي أدى به رسول الله حجة الوداع.. ومن أهم هذه الدورس أن الحياة الاجتماعية تسير دائما على هدي التقاليد، فتحطيم التقاليد الصالحة يؤدي إلى خلل لا سبيل إلى تلافيه في الحياة الاجتماعية، ولذلك يجب أن نقوم بكل ما نقوم به في الحياة الاجتماعية بدون تحطيم التقاليد القائمة الصالحة.. وتحطيم التقاليد ليس هو الأسلوب الإسلامي. وقد روي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله حاج فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ويعمل بمثل عمله فخرج رسول الله وخرجنا معه .

ويثور السؤال في ضوء هذه الأسوة النبوية: لم لم يحج رسول الله لمدة تسع سنين ومن الظاهر أنه كانت هناك مخاوف من أن قريشا ستقاوم مجيئه للحج في السنوات الأولى بعد الهجرة مثلما منعته من أداء العمرة عند واقعة الحديبية. ولكن هذا العائق زال عندما فتحت مكة في رمضان سنة 8 هـ وكذلك لم يحج رسول الله في السنة التالية (9 هـ).. فلم يحج إلا في السنة العاشرة من الهجرة، وتوفي إلى رحمة الله بعد ذلك بشهرين ويعود السبب في هذا إلى أن رسول الله كان يرغب في أن يتم الإصلاح المطلوب في نظام الحج بدون تحطيم التقاليد.

والتقويم السنوي من نوعين : قمري وشمسي.. ويتحدد التقويم القمري بدوام القمر ويمكن لكل شخص أن يشاهده فهو يكبر ويصغر ويختفي ليظهر من جديد.

أما التقويم الشمسي فيحدده الرياضيون بعد إجراء عمليات حسابية دقيقة لدوران الشمس.. وبكلمة أخرى: التقويم القمري تقويم طبيعي بينما التقويم الشمسي تقويم حسابي.

وقد ارتضى الله تعالى التقويم القمري لنظام العبادات. وليس هذا لأن التقويم القمري أفضل من غيره أو لأنه يتمتع بقدسية، فالله الذي حدد دوران القمر هو الذي حدد دوران الشمس. فكيف يمكن أن يكون أحد التقويمين مقدسا والآخر غير مقدس. أما سبب تفضيل أحد التقويمين على الآخر فيرجع إلى أهمية العملية ولا علاقة له بالعقيدة. وتراعي كل العبادات البساطة الطبيعية ولذلك أسست العبادات على التقويم القمري. وهذه هي الحقيقة التي رويت في إحدى الروايات كما يلي:

عن ابن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني تمام الثلاثين، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين

والشهر القمري قائم على رؤية الهلال، وهو لذلك يتكون من تسعة وعشرين يوما أحيانا وثلاثين يوما أحيانا أخرى.. وقد أوضح رسول الله هذا الأمر بصورة بسيطة بأن بسط أصابع يديه ثلاث مرات يعني 10 + 10 + 10 = 30، ثم فعل الشيء نفسه ولكنه عقد إبهامه في المرة الأخيرة يعني 10 + 10 + 9 = 29.

وهذا لا يعني أن التقويم القمري تقويم ديني وأن من الواجبات الدينية أن تتم كل المعاملات والحسابات وفق التقويم القمري فحسب، بل إن التقويم القمري يتعلق بالعبادات ولا بد من مراعاته في العبادات لكي يؤديها كل شخص بيسر وتناغم بالآخرين.

وكان نظام الحج الذي وضعه إبراهيم عليه السلام قائما على التقويم القمري مراعاة لهذه المصالح، ولكن قريش مكة، الذين كانوا يتولون رعاية شئون الكعبة، أرادوا أن يحددوا أيام الحج وفق التقويم الشمسي لكي تقع أيامه في موسم واحد دائما، الأمر الذي كان مفيدا لتجارتهم.. واستعارت قريش لهذا الغرض مبدأ النسيء أو الكبيسة من الشعوب الأخرى وأجرتها فيما يتعلق بالحج. وتتكون السنة الشمسية من 365 يوما بينما تتكون السنة القمرية من 354 يوما، أي أن هناك فارق أحد عشر يوما بينهما، ويصل هذا الفارق إلى ثلاثة أشهر كل ثماني سنوات. وكانت قريش تضيف إلى الشهور القمرية أياما بقدر هذا الفارق لكي يمشي الشهران القمري والشمسي معا. وهكذا بدأت الشهور القمرية تقع في غير أيامها الحقيقية. وكان هذا الدوران يتم في 33 سنة. وهكذا استمرت قريش تقيم الحج لمدة 33 سنة متواصلة في غير أيامه الأصلية.. وكان الحج سيقع في تاريخه الإبراهيمي الأصلي- أي في ذي الحجة - مرة أخرى في العام الرابع والثلاثين.. وعندما فتحت مكة في رمضان سنة 8 هـ كان هذا الدوران ذو الثلاث والثلاثين سنة في آخر مراحله أي أن موسم الحج خلال سنتي 8 و 9 هـ كان يقع في ذي القعدة وفق طريقة النسيء السائدة حينذاك، أما في السنة العاشرة الهجرية فكان هذا الدوران سيكتمل ليقع الحج مرة أخرى في أيامه الأصلية أي في ذي الحجة المتطابق مع التقويم القمري الحقيقي.

وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجددا للدين الإبراهيمي وكان الله تعالى قد كلفه بأن يعيد إنشاء نظام الحج على أسسه الإبراهيمية. وكان يمكن للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن هذا سنة 8 هـ بصفته فاتح مكة ولكنه لم يفعل هذا. وهكذا كان يمكن لرسول الله أن يصدر التعليمات في السنة التالية لأداء الحج في أيامه الإبراهيمية، ولكنه لم يقم بهذا العمل الهام إلا في السنة العاشرة الهجرية حين وصلت أيام الحج تلقائيا إلى الأيام الإبراهيمية.

والسبب في هذا هو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو فعل هذا في السنتين الثامنة والتاسعة لحطم تقاليد قائمة منذ قرون بينما مطلبه كان سيتحقق في السنة العاشرة بدون تحطيم هذه التقاليد. وللتقاليد أهمية قصوى في الحياة الاجتماعية ولذلك يحاول الرسول دائما أن يحصل على هدفه بدون تحطيم التقاليد . فأدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحج في السنة العاشرة في أيامه الإبراهيمية وأعلن أن هذا سيحدث للأبد من الآن فصاعدا. وهذه هي الحكمة التي بينها رسول الله بالكلمات الآتية في خطبة حجة الوداع: أيها الناس: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا .. ويعني هذا أن التاسع من ذي الحجة يقع في اليوم مرة أخرى في موقعه الأصلي بعد دوران ثلاث وثلاثين سنة، وهذا يطابق نظام الطبيعة، واليوم يلغى التقويم الصناعي. ومن الآن فصاعدا سيؤدى الحج كل سنة في ذي الحجة وفق هذا التقويم الطبيعي.

خطبة حجة الوداع

خطبة الوداع هي آخر خطبة ألقاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذه هي الخطبة التي ألقاها بجبل عرفات في التاسع من ذي الحجة سنة 10 هـ. ويمكن اعتبار حجة الوداع أكبر تجمع إسلامي في العهد النبوي، فقد تجمع بعرفات في ذلك الوقت نحو 125 ألفا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ألقى رسول الله هذه الخطبة قبل وفاته بنحو شهرين، وأعلن فيها بصورة أخيرة ونهائية كل تلك الأشياء التي بعث من أجلها.

وتذكر كتب الأحاديث حجة الوداع بصورة مفصلة، ولكن لا يوجد المتن الكامل لخطبة حجة الوداع في أي من هذه الروايات. بل نجد أجزاء متفرقة في عدد من الروايات، وقد حاول بعض أهل العلم أن يجمعوا هذه الأجزاء المتفرقة في مجموعة واحدة.

ويمكن أن نلخص هذه الخطبة بكلمة واحدة: إنها إعلان عظمة الله ومساواة البشر.. فقد أخبرنا رسول الله أن هناك فارقا واحدا بين البشر وهو الفارق بين المؤمنين بالله والخارجين عليه. أما الفوارق الأخرى فهي كلها اصطناعية، وقد ألغى الله تعالى كل هذه الفروق ونصب أمته مسئولة للأبد لكي تعلن هذا على العالم دوما. وكان المظهر العملي لهذا الإعلان أن عبدين محررين كانا أقرب الناس إليه عندما ألقى هذه الخطبة في نحو 125 ألفا من البشر معلنا عظمة الله ومساواة البشر، وكان أحدهما بلالا الحبشي الذي كان يمسك بخطام ناقته، وكان الآخر هو أسامة بن زيد الذي كان يمسك بقطعة من القماش ليقي رسول الله من حر الشمس.

وفيما يلي نص هذه الخطبة التي خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة:

أيها الناس: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع. ودماء الجاهلية موضوعة. وإن أول دم أضعه من دمائنا: دم ابن ربيعة بن الحارث [ كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل]،. وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا: ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن - بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح. ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله وسنة نبيه. وأنتم تسألون عني، فماذا أنتم قائلون؟ [ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس: " اللهم اشهد " [ ثلاث مرات].

أما الخطبة التي ألقاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوسط أيام التشريق فنصها كما يلي:
" يا أيها الناس ! أتدرون في أي شهر أنتم وفي أي يوم أنتم وفي أي بلد أنتم " [ فقالوا: في يوم حرام، وبلد حرام، وشهر حرام]، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، وفي بلدكم هذا، إلى يوم تلقونه. اسمعوا مني تعيشوا: ألا لا تظلموا ! ألا لا تظلموا ! ألا لا تظلموا ! إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، ألا وإن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه، إلى يوم القيامة وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع، وإن الله عز وجل قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب، لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون. ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض [ثم قرأ]، إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكنه رضي بالتحريش بينكم، واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإن لهن عليكم حقا، ولكم عليهن حقا: ألا يوطئن فرشكم أحدا غيركم، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه. فإن خفتم نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله عز وجل، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها [ وبسط يديه وقال:] ألا هل بلغت ؟ ألا هل بلغت، [ ثم قال:] ليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع .

وخلاصة هذه الخطبة كلها تكمن في كلمة ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا .. فهذه الخطبة تهدف إلى سد كل أبواب الظلم سواء أكانت ناتجة عن أوهام كاذبة أو قوانين خاطئة أو أنانية فرد من الأفراد أو استبداده.. ولهذا أعلن رسول الله أن دماء المسلم وأمواله وعرضه حرام على أخيه المسلم إلا أن يكون بسند من الشريعة الإلهية، فحظر كل الأعمال التي كانت تتم وفق التقاليد الجاهلية والعواطف الانتقامية حظرا مطلقا. وكذلك ألغى رسول الله التعامل الربوي الذي يؤدي إلى الظلم الاقتصادي وإذكاء أوار الحقد بين مختلف فئات المجتمع ويعوق العدالة الاجتماعية بطرق غير مباشرة. وأوضح رسول الله حقوق النساء بكل وضوح ومنع الرجال من أن يظلموهن استغلالا لضعفهن.

وأعلن رسول الله أن كتاب الله وسنة رسوله هما المعياران الوحيدان لتنظيم المعاملات بين البشر.. وألزم رسول الله كل الناس بأن يحلوا كل نزاعاتهم في ضوء أحكام القرآن والسنة النبوية، سواء أكان حكم القرآن والسنة يوافق هواهم أم لا يوافق.

ومنع رسول الله المسلمين وشدد عليهم ألا يتقاتلوا فيما بينهم.. وهذا القتال الداخلي هو السبب الأكبر للخلافات داخل الأمة الإسلامية. وقد حفظ الله دينه وأحكمه لدرجة أنه لا سبيل أمام الشيطان إلى إفساد الدين نفسه إلا أنه سيدفع المسلمين للقتال فيما بينهم على نزاعات تافهة بمختلف العناوين والشعارات.. ولن يصيب المسلمين شيء من الأذى لو نجوا من هذه الفتنة.

ويقتضي الإيمان بالإسلام أن يشعر المسلمون بأهمية أداء الأمانات إلى أهلها. ومن أهم هذه الأمانات إبلاغ الرسالة الإلهية إلى الآخرين، ومنها كذلك إعادة أموال الناس إليهم، والاعتراف بكفاية الكفء. فإخلاء المكان والمنصب للكفء هو الآخر من أداء الأمانات. والمسلمون ملزمون بأن يكونوا أمناء ومسئولين في كل المعاملات وفي أداء الأمانات.

وخطبة رسول الله هذه هي إعلان حي، والحاج الحقيقي هو الذي يسمع إلى هذا النداء ويعود من الحج وقد أصبحت هذه الخطبة منهاج حياته كلها.

تالي سابق
تطوير  حرف لتقنية المعلومات ... حقوق الطبع © 2005 جميع الحقوق محفوظة... e-mail address:info@al-islam.com